كلام الشيخ عن كيفية معالجة العقائد المنحرفة كالغلو في إثبات القدر وتعطيل الصفات عند المعتزلة وغيرهم .

الالباني
الشيخ محمد ناصر الالباني
0:00 11:42

الشيخ

النص المكتوب

الشيخ : نحن اليوم يا مشايخ مصابون في نشئ جديد ، فصحيح أنه يحب أن ينطلق على الكتاب والسنة لكنهم لا يقدرون العلم حق قدره ، ويتوهمون أن أحدهم يستطيع أن يصبح عالما بمعنى الكلمة بالكتاب والسنة ما بين عشية وضحاها ، يتوهمون الأمر هكذا ، ثم يصابون بكثير من العلم والغرور ، وبحب الظهور ، وقديما قال بعض الحكماء كما تعلمون : " حب الظهور يقطع الظهور " ولذلك يتكلم بعضهم بما قام في نفسه متوهما أنه هو العالم بعينه ، وكثيرا ما ينطلقون في هذا المجال المدعى أنه علم ، وهو في الحقيقة جهل ردا لبعض العقائد المنحرفة عن الكتاب والسنة ، ولكن تكون النتيجة أنهم يعالجون الأمر على طريقة أبي نواس : " وداوني بالتي كانت هي الداء " . فمثلا هذه المسألة التي رددت علي فيها ، هم يزعمون أن الطريق في رد عقيدة الجبر التي نشأت عند الجبرية من غلوهم في الإيمان بالقضاء والقدر ، وفهمهما أو فهمهم لهذه العقيدة فهما خاطئا ، استلزموا من هذه العقيدة الجبر ، فقالوا بلازمه في زعمهم أنه كما جاء في بعض أشعارهم : " ألقاه في اليم مكتوفا ثم قال له إياك إياك أن تبتل بالماء " هذا يصور عقيدة الجبرية ، فمن أين جاءت الجبرية من الإيمان بالقضاء والقدر مع الفهم الخاطئ ، مع الفهم الخاطئ ، فعالج هذا الخطأ الفريق الآخر وهو المعتزلة ، قالوا لا سبيل لنا إلى إبطال الجبر إلا بما اتكئوا عليه من الإيمان وهو القدر ، إذا لا قدر ، كلاهما على طرفي نقيض ، وكلاهما على مذهب أبي نواس : " وداوني بالتي كانت هي الداء " . فأنا أرى أن كثيرا من العقائد يساء فهمها ، فتعالج على هذا المذهب المنحرف عن الحق ، وقد يقع في مثل هذا كثير من كبار العلماء المشهورين وعذرهم في ذلك إساءة العامة وربما بعض الخاصة معهم للعقيدة الصحيحة ، فيضربون سوء الفهم بضرب العقيدة الصحيحة . لاشك أنكم تعلمون أن من العقائد الصحيحة التي توارثها الخلف عن السلف الإيمان بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان ، ويقترن معه الإيمان بخروج المهدي ... نعود إلى أصل المسألة القدر ، فكيف عالجت المعتزلة الجبر معالجة سيئة ، وذلك لما لم يستطيعوا أن يفهموا القدر الإلهي فهما لا يستوجب الجبر ، بل هم شاركوا الجبريين في فهمهم للقدر بأنه يستلزم الجبر ، والجبر باطل ، وما لزم منه باطل فهو باطل ، فإذا لم يجدوا وسيلة ـ أعني بطبيعة الحال المعتزلة ـ بمحاربة الجبر إلا بنسف عقيدة القدر ، وهم بلاشك ما يستطيعون وإن كانوا ضلالا فهم مؤمنون بكتاب الله عزوجل ، فهم لا يستطيعون أن ينكروا القدر كلفظ مذكور في القرآن الكريم في غير ما آية ، ما يستطيعون أن ينكروا ذلك وإلا خرجوا من الدين ، لكنهم ـ وهكذا شأن كل الفرق الضالة الذين انحرفوا عن الكتاب والسنة ـ أنهم يؤمنون بألفاظ الكتاب ولا يؤمنون بمعانيها ، فهم آمنوا بالقدر ، ولكنهم تأولوا القدر بما يساوي العلم ، كما فعلوا في كثير من الآيات المتعلقة بالصفات الإلهية . فهم مثلا ينكرون أن يكون الله تبارك وتعالى له صفة السمع والبصر ، وهم يعلمون مثل قول رب العالمين : (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) فهم لا يستطيعون أن ينكروا هاتين الصفتين أنه سميع وبصير ، إلا بالطريقة ذاتها التي أنكروا فيها القدر ألا وهو التأويل بل هو التعطيل ، فقالوا السميع البصير يعني العليم ، فكذلك أولوا القدر بمعنى أيش ؟ العلم ، مع أنه كما لا يخفاكم العلم صفة ذاتية ، أما التقدير الإلهي فصفة فعل ، من صفات الأفعال ، فهم خلطوا بين هذه الصفة الذاتية وبين الصفة العلمية ، لماذا هذا الخلط ؟ ليضربوا الجبر ، لكن أصابهم كما يقول المثل في بعض البلاد : " كانوا تحت المطر وصاروا تحت المزراب " معروف هذا عندكم ؟ . السائل : نعم. الشيخ : والشاعر العربي القديم كما تعلمون يقول : " أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل " فيجب الجمع بين الصفات الإلهية كلها والمشتقة من كتاب الله وأحاديث رسول الله ، ولا يجوز ضرب بعضها ببعض أو إنكار بعضها على حساب البعض ، وما أحسن ما قال ابن القيم رحمه الله في هذه المناسبة : " العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرا من التعطيل والتشبيه " وهذا هو الموقف العدل لا تعطيل ولا تشبيه ، وإنما هو الإيمان على ما أراد الله عزوجل بهذه الآيات وأحاديث الرسول عليه السلام التي تثبت الصفات الإلهية . الشاهد أعود إلى ما كنت انتهيت إليه أن كثيرا من العلماء حينما يريدون أن يعالجوا بعض الانحرافات التي أصابت الجماهير قديما وحديثا ، إنما يعالجونها بانحراف مثله أو بأخطر منه ، وضربت على ذلك مثلا عقيدة نزول عيسى عليه السلام .

السلاسل العلمية

عرض السلاسل العلمية ←

سلسلة الهدى والنور — الشيخ محمد ناصر الالباني